صبحي الصالح

62

مباحث في علوم القرآن

بنظرته الشاملة أسرارها كلها وخفاياها ، وإنما نجتزئ هنا بتنزل قرآني واحد على سبيل المثال : لقد كلف اللّه الصحابة الأولين ضروب المشقات وألوانها فتحملوها مختارين ، ولكنه في آية واحدة حمل عليهم إصرا كبيرا ، وحملهم ما لا طاقة لهم به ، حتى جثوا على ركبهم دهشة وذهولا ، حين أنزل قوله الكريم : « وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ » « 1 » . فعجبوا كيف يحاسبهم اللّه على ما همت به أنفسهم ولم يعملوه ، وأتوا رسول اللّه يقولون : قد أنزل اللّه عليك هذه الآية ولا نطيقها ! وإذا الوحي يتنزل بالتخفيف والتيسير ، ويعلن مبدأه السمح الصريح : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ، لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ » ! « 2 » . وبعد . . . لئن كان تصوير الوحي لشخص الرسول دليلا وجدانيّا على صدقه عليه السلام ، لعمري إنّه في تدرج نزوله برهان منطقي دامغ على أن هذا الكتاب المجيد كلام اللّه العليم الحكيم ، أنزله على رسوله هدى وموعظة وتبيانا لكل شيء .

--> ( 1 ) البقرة 284 . ( 2 ) البقرة 286 . وقارن بأسباب النزول 26 . وقد ظن السيوطي هنا أن هذه الآية نسخت الآية السابقة ، وإنما نعد هذا ضربا من تزيد العلماء في باب النسخ . وسنوضح في فصل « الناسخ والمنسوخ » بعض ما أقحمه المفسرون فيه .